
زوجي في حضن امرأة
الساعة تشير إلى الثانية بعد منتصف الليل. أنا الآن لوحدي في غرفة صغيرة ، وقد فارق النوم جفوني ، أما قلبي فيكاد ينفجر من شدة الغيظ.
ضحكات مسترسلة تنبعث من غرفة النوم .. همسات دافئه .. كلام في الحب ..
إنه زوجي .. اه ، زوجي وامرأته الثانية ؛ زوجي الذي قال لي قبل ستة أشهر مضت بأنه سيتزوج في القريب العاجل من امرأة أخرى ، لأني كنت عاقرا ، ولم أستطع أن أنجب له أطفالا ؛ زوجي الذي لم يكن للأسف عادلا معي بعد أن تم له ذلك ، بحيث أصبح يفضل هذه المرأة علي في كل شيء .. زوجي هذا الذي مازلت ، ومن طيبة قلبي أحبه.
إنه ، على فكرة ابن الحي الذي كنا نقطن به ، والذي عشقته وأنا في الثانية عشرة من عمري ( كان يكبرني بسنة ) . إنه رفيق دربي في الدراسة : في الإعدادي ونحن في نفس الفصل ، ثم في الثانوي ، ثم في الجامعة .. إنه الذي امتزجت فرحتي بفرحته ونحن نحرز شهادة الإجازة معا. نعم ، إنه زوجي الذي كان يقول لي بأنه يحبني حتى العبادة ، وبأن روحي وروحه قد أصبحا شيئا واحدا ، ولا يمكن حتى للموت أن يفرق بينهما.
مضى الآن شهران على زواجه من هذه المرأة. أتدرون ماذا قال لي البارحة ؟ قال لي ، دون أدنى مراعاة لمشاعري ، أو أي اعتبار لكرامتي : أظن ان الوقت قد حان لنفترق ، فزوجتي لم تعد تطيق هذا الوضع الذي نحن عليه.
إيه يا دنيا .. زوجته !! أيعقل أن تكون حياتي قد أصبح لا محل لها من الإعراب بالنسبة له ؟! أيعقل أن يكون حبه لي قد تبخر بهذه السرعة ؟! الفراق على الأبواب إذن ! إنه قاب قوسين أو أدنى من أن يصبح شيئا حقيقيا.
لم أنم الليل كله. كنت أدرف الدموع في صمت لمجرد التفكير في البعد عن هذا الرجل الذي أحببته وألفت العيش معه ، وكان يخيل لي أن قلبي سيتوقف عن النبض ، لكن في لحظة ، ودون أن أدري كيف ، وجدتني أقول لنفسي وأنا في حالة هيجان : ما هذا الغباء ؟ كيف تتشبتين بالعيش مع شخص يطردك من قلبه ، بل ومن حياته كلها ؟ لقد جرح كبرياءك وتنكر لحبك له ، ولكل الذكريات الجميلة التي عشتموها معا ، أضف إلى ذلك أنه لم يعد يهتم لوجودك ، لدرجة أنه لم يعد يأويك لفراشه إلا مرة واحدة خلال أسبوع كامل أو أكثر ؛ ألا يكفي هذا لتطرديه أنت كذلك من حياتك ؟ آه ، أنت تنتظربن أن يطردك طرد الكلاب ، كما يقال ، وهو يرمي بأمتعتك من شرفة البيت !
قلت في نفسي سأنتظر حتى يستيقظ في الصباح ، وبعد أن يأخذ دشا ويتناول فطوره ، سأطلب منه أن يطلقني ، لكن شيئا ما بداخلي كان في نفس الوقت يقول لي لا .. لا .. لاتفعلي !
ياإلاهي ، ماالعمل ؟ ماذا يجب أن أفعل .. ماذا يجب أن أقول ؟
وتحضرني فكرة : بعد أن يذهب إلى العمل ، سأنتظر ساعة أو ساعتين ، ثم أبعث له رسالة على الواتساب أذكره فيها بالحياة الجميلة والمثالية التي كنا نعيشها قبل أن يرتبط بهذه المرأة ، فلربما جعله ذلك يعدل عن فكرة الفراق والبعد عن بعضنا البعض.
وكتبت أقول : عزيزي .. يامن ملك حبه قلبي .. لو كان بيدي لملأت لك البيت أطفالا ، لكن سبق ما سبق في علم الله ، فهو الذي يجعل من يشاء عقيما.
لقد أخذتك هذه المرأة مني ، ولا يمكن أن أصف لك الألم الذي أشعر به وأنا أراكما دائما معا ، وقد تجاهلت وجودي. هل انمحت كل الذكريات الجميلة التي عشناها معا من ذاكرتك ؟ هل غابت فعلا تلك السعادة التي كنت تشعر بها وأنت تعبر لي في كل وقت عن الحب الكبير الذي كنت تكنه لي ؟ لن أؤاخذك على شيء ، فالأمر كله يرجع إليك ، لكن عندي رجاء وهو ألا تطردني من مملكتك ؛ فالبعد عنك سيحيل حياتي إلى جحيم ، وهذا مالاأطيقه. وأخيرا أتمنى ألا تكون قد نسيت حبيبي كم كنت أحبك ، وأن تعلم جيدا أني مازلت أحبك.
وجاء الرد بسرعة .. وياله من رد ! فبقدر ماكنت أنا صادقة معه ، بقدر ماكان هو صريحا معي. قال لي بالحرف : لقد أخذتني فعلا هذه المرأة منك ، وأصبح قلبي كله معها .. هذا القلب الذي لا يمكنه للأسف أن يحب امرأتين في نفس الوقت.
لم أتمالك نفسي وأجهشت بالبكاء. بقيت أبكي لأكثر من عشر دقائق. كانت نبضات قلبي المتزايدة في الإرتفاع تنذر بخطر حقيقي. ها هي ضرتي تنظر إلي وتمعن النظر ، وهي تبتسم ابتسامة ماكرة. كان يعجبها أن تراني حزينة ودمعتي على خدي. دنت مني قليلا ثم قالت لي : أنا أعرف ما يبكيك ! لقد كلمني زوجي للتو على الهاتف وأخبرني بما قال لك ، ردا على رسالتك التي أرسلتيها له قبل لحظات عن طريق الواتساب. قلت لها ، وقد نال الغضب مني : هكذا إذن ! وهذا هو سبب ابتسامتك العريضة هاته ! دعيني أقول لك عزيزتي أني سأترك لك المكان لتبتسمي وتضحكي كما تشائين ، لكن أريد أن أقول لك شيئا، وأتمنى ألا تنسيه أبدا : إنه أنا من يحب ، زوجك هذا وسيظل يحبني ؛ أما أنت ، فأنت هنا مجرد وعاء يحمل أطفالا ويضعها بعد مدة الحمل ، ولما تنتهي مهمتك صدقيني ، سيكون مصيرك أسوأ من مصيري.
لقد مرت الآن سنتات على تطليق زوجي لي ، وفقدت الأمل أنه سيراجعني يوما. لم أعد أراه إلا ناذرا ، لكني كنت أعرف أخباره عن طريق بعض جيرانه الذين كانت تربطني بهم علاقة طيبة. فهو لم يرزق بأطفال من زوجته الثانية ، مما جعله يطلقها ويتزوج من امرأة أخرى ليطلقها بعد مرور أقل من سنة لأنها لم تنجب له هي الأخرى أطفالا. قلت في نفسي : ثلاث نساء كلهن عاقرات .. أيعقل أن يكون هذا كله من قبيل الصدف ؟! لا ، لا .. لابد أن العيب فيه هو !
قالت لي أختي التي كنت أحكي لها كل شيء :
- إن لم تخني الذاكرة ، فأنت لم يسبق لك في الماضي أن زرت أي طبيب لتعلمي إن كنت فعلا عاقرا أم لا !
- هذا صحيح. لم أنجب أطفالا بعد خمس سنوات من الزواج ، فتقرر ضمنيا أني كنت عاقرا وانتهى الأمر !
- وما رأيك أن تزوري الطبيب لتعلمي ..
- أن أزور الطبيب !
- فقط من باب العلم بالشيء ، خاصة وأنه اتضح أن طليقك لم يستطع أن ينجب أطفالا رغم زواجه من امرأتين غيرك !
- فكرة طيبة ، والله !
وزرنا الطبيب .. وكانت المفاجأة ! فعلى ضوء الفحوصات والتحليلات التي طلب مني إجراءها ، قال لي :
- أنت لست عاقرا ، يامدام !
- حقا ؟؟!!
- نعم !
- هل يمكن أن تشرح لي ذلك ؟
- بالطبع ، سأشرح لك كل شيء. لقد اتضح أن رحمك سليم من كل أدى ، ولا يفرز مضادات تؤدي بشكل أو بآخر إلى موت الحيوانات المنوية للرجل ؛ كما أن المبايض سليمة وتنتج البويضة في الوقت المناسب ؛ وهناك أيضا قناة تدعى فالوب ، فهي سليمة وسالكة. إذن ، لا داعي للقلق ، يمكنك أن تنجبي أطفالا وقتما تشائين.
كانت الفرحة تغمر كل أفراد عائلتي عند سماعهم هذا الخبر السعيد. قالت أمي : الآن وقد اتضح أنك لست عاقرا، فلا بد أن تتزوجي وتلدي أبناء تنعمين بوجودهم في حياتك ! وقال أخي الأكبر : لقد سبق لصديق لي أن كلمني عنك ؛ فهو يبلغ من العمر أربعون سنة ، ولم يسبق له أن تزوج. إنه شاب مليح الوجه ، لطيف ، مهذب ، ويعمل بإحدى الشركات المتعددة الجنسيات.
لقد أسعدني في الحقيقة هذا الكلام ، لكني كنت أشعر في نفس الوقت بنوع من الإحباط. صحيح ، أنا مازلت في السابعة والثلاثين من عمري ، وعلى قسط من الجمال ، ولا بد أن يكون هناك الكثيرون ممن يتمنون الإرتباط بي ، لكن هل أنا مستعدة لخوض مغامرة جديدة عنوانها الحب مع شخص آخر ؟ ولنفرض أن هذا الشخص قد وجد ، وتوفر الحب بيننا ، فهل سيدوم ذلك ، أم أن الفشل سيلاحقني مرة أخرى ؟
وتمضي الأيام .. وفي يوم ، كان يوم عيد الفطر ، سمعنا دقات على الباب : إنه طليقي.
بعد أن سلم وجلس ، وتناول شيئا من الحلوى مع كأس من الشاي قال لي : أنا الذي كنت مصابا بالعقم ، والآن وقد زرت أحد الأطباء فقد قال لي ، على ضوء بعض التحاليل والفحوصات التي أجريتها أنه بإمكاني الشفاء وإنجاب أطفال ، لدى فأنا أريد أن أراجعك ونكمل حياتنا خاصة أننا نحب بعضنا البعض.
أمعنت النظر في عينيه ، ثم قلت بهدوء : والله لكم كنت أحبك ، بل والله لكم كنت أعشقك، لكنك لم تصن العهد الذي كان بيننا ، وتنكر ت للحب الذي كان يجمع بين قلبينا ولكل شيء جميل عشناه معا ؛ وحتى وإن عدنا كما تقول فلست أظن أني سأكون سعيدة معك. لقد اندثر كل شيء جميل كان يجمع بيننا وتبخر في الهواء ، وبقدر ماكنت أتمنى في الماضي أن تظل وفيا لحبي لك ، بقدر ماأتمنى الآن أن تنساني .. نعم ، أن تنساني وإلى الأبد.
قمت بعد ذلك من مكاني وأنا أقول :
- قل لي يا أخي .. ماذا عن ذلك الشاب الذي سبق وكلمك عني ، هل يريد دائما أن يرتبط بي ؟
- طبعا ، طبعا !
- قل له أن يأتي لخطبتي في أقرب وقت ممكن. إني موافقة.
غادرت المكان وتركت طليقي في حالة ذهول. كان قلبي ينفطر حزنا. قالت لي أختي " أعرف أنك مازلت تحبينه " قلت لها وقد اغرورقت عيناي دموعا " أعرف أنك تعرفين ، لكن مالا تعرفينه هو أنني لست نادمة على عدم الرجوع إليه ، لأنه ليس أهلا لأن أعود إليه."
مصطفى دهور. أستاذ اللغة الفرنسية.
الدار البيضاء.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق