تغريدة الشـــــــــــــعر العربي
السعيد عبد العاطي مبارك – الفايد ( مصـــــــــر )
------------------------------------------------
«بطعم الفاكهة الشتوية»
الشاعرة التونسية المغتربة لمياء المُقدِّم 1971 م - زهرة سوسة
تقول لمياء المقدم من قصيدة " بائعة الخبز " :
ذات شتاءٍ قاسٍ
كنتُ أعملُ بائِعةَ خبزٍ
في قريةٍ صغيرةٍ جداً
جاء أحدهم وكان جائِعاً
فمنحته رغيفاً وأخذته إلى بيتي
هناك على العتبةِ كان يجلِسُ
يُطعِمُ الحمام والقطط والسناجبَ
في قريةٍ صغيرةٍ جداً ونائِية
كان رجلاً جائِعاً
وكنتُ أعملُ بائِعة خبزٍ
ثمّ صحوتُ ولم أجِده
لم أجِد الرغيفَ ولا العتبة
لم أجِد التاريخَ ولا الجغرافيا
لم أجِد الفصولَ ولا ذاكرتها
لكنّ القططَ والكلابَ والغيوم المتسوّلة
مذ ذاك لم تنقطِع أبداً عن بيتي
---------------
خلاصة تجربتها وفلسفتها مع الحياة تقول :
«أعيش داخل خليط من الثقافات والأجناس والانتماءات التي لا حصر لها، إلى درجة أنني أتساءل: كيف يمكن لشخص أن يعتبر نفسه أفضل من شخص آخر بسبب دينه أو جنسه أو لونه أو انتمائه الجغرافي؟ هذا جنون! فكرة الأفضلية فكرة سيئة ومدمرة. الغربة أيضاً منحتني العزلة، فأنا أعتبر نفسي وطن نفسي ولغته».
و من ثم عندما نتأمل حالة الانسان المبدع المرهف كلمة و معني وصورة و ايقاعا من خلال لوحة فنية متداخلة لها خصائصها الفنية ذات ظلال جمالي وخيال خصب له منطق مع صوت الحياة القوي ، يستوقفني شعر المهجر للشعراء الشام و لا سيما الشعر اللبناني في تربته الخصبة في بلاد المهجر و الغربة و كان نبراسه جبران و المعلوف و مخائيل نعمة و ايليا أبو ماضي و نسيب عريضة و نادرة حداد وجورج صيدح و غيرهم كثيرون ممن أثروا الحياة الأدبية من منظور جديد حيث الحنين الي الوطن ولوعة الغربة و التمسك بالنور و الحرية و العدل و الجمال و الحب ...
ثم يأتي في بلاد المغرب العربي هجرة و غربة لشعراء شمال افريقيا الي بلاد الغرب كحلقة متصلة تكميلة لشعراء المهجر ، و من ثم نتوقف مع الشاعرة التونسية المغتربة لمياء المُقدِّم " زهرة سوسة " تلك المدينة التونسية التي منحتها نبض و جمال الصبا فتربت بين أحضان الطبيعة الوارفة .
و نقشت في مخيلتها ذكريات وصدي الصبا فتلاق الموروث بروح التجديد و الحداثة في بلاد تتوق اليها تجمع شتات ملامحها في شدو متفرد له مقوماته و خصائصه الفنية و الابداعية مع مسارات و جماليات الحياة .
تقول لمياء المقدم من نصّ قصير بعنوان "كلما تفتحت الورود بَكَيت" تنم عن رومانسية جميلة تحمل مشاعر مفعمة بروح الهوي و الجمال تشخص حالتها مع ظلال لوحتها الفنية المتداخلة في عفوية :
كنّا نقفُ أمام إشارةٍ حمراء
عندما غرس أصابعه في شعري
قبّلني ووعدني بحياةٍ سعيدة
ورغم أنهم بعد عامٍ
رفعوا الإشارة القبيحة
بنوا مكانها حديقةً
إلاّ أنني حين أمرُّ بذلك المكان
أقفُ طويلاً وبلا مُبرّر
الورودُ تغيَّر لونها تحت الشمس
تُضيء وتنطفئ
أشمُّ رائِحتها وأبكي
-----
شيء من سيرتها :
-------------------
لمياء المُقدِّم:
ولدت الشاعرة و الاعلامية التونسية لمياء المقدّم في عام (1971) بمدينة سوسة التونسية .
شاعرة تونسية .
درست المقّدم الأدب العربي في جامعة «سوسة» التونسية، أدب عربي .
ومنها سافرت الى بلجيكا لدراسة «الفندقة» لكنها لم تُكمل.
انتقلت بعدها الى هولندا حيث أنهت دبلومها في الترجمة من جامعة «لايدن»، قبل أن تعمل مع إذاعة هولندا كصحافية ومقدمة برامج إذاعية.
و هي مقيمة في لاهاي في هولندا، و تعمل مُترجمة وإعلامية ومُعِدّة برامج و تكتب المقالات الصحفية .
صدر لها :
======
= ديوان بعنوان «بطعم الفاكهة الشتوية» (دار النهضة ـ 2007)
وجديدها هذه السنة
= وديوان بعنوان «انتهت هذه القصيدة... انتهى هذا الحب». عن «دار آفاق» المصرية
= كما ترجمت من الهولندية إلى العربية رواية "مالغا" ورواية "أنت قلت لي" التي تحكي سيرة حياة الشاعرين "سيلفيا بلاث" و"تيدي هيوز"
تؤكد المقدّم التطور الحتمي الآخذ بالشعر الى مزيد من الهواء، والحرية وانتعاش القصيدة من مخلفات سيمترية، في مساعي الشاعرة من أجل كتابة تُشبهها في الدرجة الأولى، ومن أجل إعلاء كل ما يبدو مُهمشاً، وبسيطاً، تفردهُ في قصيدتها، وتؤكد جوهر وجوده كضرورة لحركة الحياة ككل، ولإثراء الشعر في نحوه والتفاته إلى الصفوف الخلفية من المشاعر والكائنات والمشاهد التي يُهملها الشعر لصالح الأفكار.
مختارات من شـــــــعرِ لمياء المُقدِم:
-------------------------------------------
" وصل بكِ الأمرُ
أن لم تعودي تذكرين
إذا كان الطفلان ينامان في الغُرفة الفوقية
أو مع أصدقائِهما على البحر يسهران
ولكنكِ ما زِلتِ تعرفين تماماً
كيف ترفعين جسدكِ
من على كُرسي الحديقة الصلب
وتمشين به مُباشرةً
إلى قلب الشجرة"
= = =
و في مقطوعة أخري تقول لمياء المُقدِّم:
علّمكِ أن تظلّي في مكانكِ إذا تُهتِ
حتّى إذا عاد الذين أضاعوكِ أدراجهم وجدوكِ
لا أحد أخبركِ ماذا تفعلين إذا لم يعودوا
حياة كاملة مرّت
في انتظار الريح التي تركتكِ
في الساحة الكبرى
تدورين بفستانكِ الورديّ في الفراغ
و من ديوانها "انتهت هذه القصيدة، انتهى هذا الحب"، تصدح بفلسفتها الشمولية وسط جدلية الحب و مدي خفقانه مع الحياة تنشد الصدق كما في مرآة ... سَرَقَت منّي الحياة تتساءل لمياء المُقدِّم في اعترافات تحمل رئة الكون !! . فتقول :
: سُرِقَت منّي الحياة
سُرِقَت منّي الحياة، الخفقة الأولى
الصرخة التي تبعثُ الهواءَ في رئة الكون
السارِقُ أخي، ينظُر ولا يُصدِّق
أنه يسرقني
لا يُصدِّق أنّ في عينيه مخزناً معبأً
باللحظات التي سرقها منّي
من سعادتي، ضحكتي،
تقلّباتي في الفراش، همهماتي
لفتتي، من رجفتي، من لذتي
من الحبّ الذي كتمته لأجلِه
لأجلِ ألّا يتعذب أو يتألّم
السارِق أخذ كلّ شيء
ولا يدري أنه الآن صار أميناً
على مخزن سعادتي
عليه أن يفتح بابه كلّ صباح
ويُهوّي أركانه
أن يشطف مدخله ويُنير أضواءه
أن يضع أمامه كرسياً ويجلس
من مطلع الشمس حتّى مغيبها
السارق أخي، حارس المخزن
صاحب العُهدة، حامل المُفتاح
====
و تقول لمياء المُقدِّم: من قصيدة بعنوان "فستانٌ قصير" تشخص الآتي مع اتجاهات ثقافة الانسان و مجابهة حركة التطور الرهيب و استيعاب منظومة الحداثة شكلا و مضمونا :
إذا منعتني من ارتداءِ فستانٍ قصيرٍ
ماذا سيبقى لنصحى من أجله؟
ترى ركبتيّ النافرتين إغواءً
ولا ترى ما في القدمين من محبّة
أتعرِفُ أنّي صنعتُ هذين الركبتين
من عُلبِ صفيحٍ قديمةٍ وعصيٍّ
تركها أبي معلّقةً على جدران غرفته؟
ركبتايَ لأسبابٍ كهذه
لا تغريان أحدَ
عندما جريتُ وعندما سقطتُ
عندما أحببتُ وعندما بكيتُ
حضنتُ ركبتيَّ كقِطعٍ ممزّقةٍ
من قلبٍ صغيرٍ
ومرّةً أكلتُ ركبتي اليُسرى
وأنا أُشاهِدُ فيلمَ الجوع
واقفةٍ على قدمٍ واحدةٍ
وظهري مُسندٌ للجدار
لو أنّك نظرتَ جيداً
لما رأيتَ في ركبتيَّ ما يُغري
ولطلبتَ منّي أن أُعرّي كتفيّ أيضاً
وصدري
أن أمشي معكَ في الشارع عاريةً
كورقة غارٍ
ليس الجسدُ ما يظهرُ للبشرِ
الجسدُ فكرةٌ
لو نظرت جيداً لتركتني
أُزيِّنُ ركبتيَّ بأشرِطةٍ ملونةٍ
أجرّهما خلفي في الملاهي
أمنحهما من حينٍ لآخر
قطعة حلوى
وأصرُخ حين تتشاقيانِ أو تخبطان
في بركةِ ماءٍ
آخر النهارِ أربطهما بحبلٍ في رقبتي
وأعود زحفاً على عُرقي
أنت على حقّ
الحبُّ رحلةٌ شاقة
زحفٌ دائِمٌ باتجاه الآخرِ
إذا مددتَ يدك الآن ولمست
الجلد الناعمَ
ستجِدُ حجرين يتيمين
ينشران البؤسَ
هذا كان صوتا تونسيا للمرأة المبدعة خارج وداخل ملامح الوطن تعيش بين حنين وغربة تستلهم قصة العطاء بلا حدود مع واحة الفكر و الثقافة و الفنون الجميلة في تواصل كي تستكمل شعر المهجر الذي أسس له شعراء الشام في الأمريكتين ، و اليوم يواصل شعراء شمال افريقيا في بلاد المغرب الكبير رسالته العربية المشرقة بين أصقاع وثلوج الغرب في عودة بالحوار الذي يضع عنوان الانسانية بكافة صورها و ألوانها كما نلمح و نلاحظ مسيرة ( لمياء المقدم ) الشاعرة التونسية ، كصوت يعزف في براح الروح مع بلاد محجوبة ترسم تجربتها من جديد و تعود محملة بفلسفة جميلة تقبل جمال الكلمة دائما
مع الوعد بلقاء متجدد لتغريدة الشــــــــــعر العربي أن شاء الله .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق